حكم الأذان والإقامة للمنفرد
وللجماعة
الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فالراجح من أقوال أهل
العلم أن الأذان والإقامة في حق المنفرد مستحبان، لعموم فضل الأذان والإقامة، فإذا
صلى بدون أذان أو إقامة فصلاته صحيحة أما الأذان في المسجد للجماعة، فالراجح أنه
فرض كفاية إذا فعله البعض سقط عن الآخرين، وإذا تركه الجميع أثموا جميعاً وينبغي
أن تسعى أنت ومن معك لبناء مسجد قريب من منطقة سكنكم لإقامة شعيرة الأذان وصلاة
الجماعة، ففي سنن أبي داود عن أبي
الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم
الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية" وحسنه الألباني.
قال زائدة بعد
رواية هذا الحديث: قال السائب: يعني بالجماعة الصلاة في جماعة. ا.هـ
ونحب أن ننبه السائل
إلى أنه إذا وُجد مسجد قريب منه لا يؤذن فيه، ولا يوجد أحد غيره يقوم بالأذان، فإن
الأذان يكون في حقه واجباً، ونوصيه كذلك بالحفاظ على صلاة الجماعة، والمداومة
عليها، فإن فيها خيراً كثيراً.
فقد
اختلف أهل العلم في حكم الأذان والإقامة حسب حال المصلي، والراجح ـ والله أعلم ـ
أنه يستحب له إذا صلى وحده أن يؤذن ويقيم؛ لعموم فضل الأذان، ولأنه ذكر لله، ولما
في مسند أبي يعلى عن الجعد أبي عثمان قال: أتانا أنس بن مالك
في مسجد بني ثعلبة، فقال: قد صليتم؟ وذلك صلاة الغداة. فقلنا: نعم. فقال لرجل:
أذّن، وأقام، ثم صلى في جماعة. وروى عبد الرزاق، والبيهقي عن أبي عثمان قال: رأيت أنس بن مالك قد دخل مسجدًا قد صلي فيه، فأذن، وأقام. وروى ابن أبي
شيبة عن قتادة أنه قال: لا يأتيك
من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا خيرًا.
قال ابن المنذر: يؤذن
ويقيم أحب إليّ، وإن اقتصر على أذان أهل المسجد، فصلى، فلا إعادة عليه، ولا أحب أن
يفوته فضل الأذان. انتهى.
وقد روى مالك، وغيره عن أبي سعيد
الخدري أنه قال لأبي
صعصعة: إني أراك تحب الغنم، والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت
بالصلاة، فارفع صوتك، فإنه لا يسمع مدى صوتك جن، ولا إنس، ولا شيء إلا يشهد لك يوم
القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكن
الأولى لمن صلى منفردًا في المسجد أن لا يجهر بالأذان، قال ابن قدامة: وإن أذن،
فالمستحب أن يخفي ذلك، ولا يجهر به ليغر الناس بالأذان في غير محله.
وإن صلى
وهو في بادية، كالراعي، ونحوه، أو وهو مسافر، فإنه يستحب له الأذان والإقامة عند
عامة أهل العلم، قال ابن
قدامة: ويشرع الأذان في السفر للراعي، وأشباهه، في قول أكثر أهل العلم. انتهى. قال ابن
المنذر: أحب إليّ أن يؤذن ويقيم إذا صلى وحده، ويجزئه إن أقام وإن لم يؤذن،
ولو صلى بغير أذان ولا إقامة، لم تجب عليه الإعادة، وإنما أحببت الأذان والإقامة
للمصلي وحده؛ لحديث أبي سعيد الخدري.. لفضيلة الأذان؛ لئلا يظن ظان أن الأذان
لاجتماع الناس لا غير، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الحويرث وابن عمه
بالأذان، ولا جماعة معهما لأذانهما وإقامتهما. انتهى. وقال ابن عبد البر: وقد
أجمعوا على أنه جائز للمسافر الأذان، وأنه محمود عليه مأجور فيه. انتهى.
وأما
الأذان والإقامة للنساء، فلا يجب عليهن أذان، ولا إقامة، عند عامة أهل العلم، بمن
فيهم الأئمة الأربعة، بل قال ابن
قدامة: لا أعلم فيه خلافًا.
وهل يسن
لهن ذلك؟
قال أحمد بن حنبل: إن فعلن،
فلا بأس، وإن لم يفعلن، فجائز.
وقال
الشافعية: إن الإقامة في حق النساء مندوبة، لا الأذان، على المشهور.
والأولى
لهن أن يؤذنّ، ويقمن بدون رفع صوت، فقد روى ابن المنذر، وابن أبي شيبة: أن عائشة كانت تؤذن وتقيم. ورويا أيضًا أن ابن
عمر سئل: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذكر الله؟! قال ابن
المنذر: الأذان ذكر من ذكر الله، فلا بأس أن تؤذن المرأة وتقيم.
فإنه لا
ينبغي ترك الأذان في المسجد، لعدم وجود مؤذن راتب فيه، لأن الراجح من أقوال
العلماء أن الأذان في المسجد فرض كفاية، إن لم يقم به من تحصل به الكفاية، أثم
الجميع، ويتأكد ذلك إذا لم يكن بجواره مساجد أُخَرْ، يؤذن فيها، لقوله صلى
الله عليه وسلم لمالك بن
الحويرث: إذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم. رواه السبعة.
ولأنه
صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً بالأذان في المدينة، وأمر أبا محذورة بالأذان
في مكة، وأمرهما بالإقامة، ولم يزل صلى الله عليه وسلم يؤدي الصلوات الخمس بأذان
وإقامة، فدل على فرضيتهما.
ولذلك
ننصح أن تجتهد مع إخوانك المسلمين في نفس البلد، في إيجاد مؤذن للمسجد، حتى تخرجوا
من الإثم، ولو استدعى الأمر إلى تفريغ شخص من المسلمين للأذان مقابل أن تبذلوا له
أجرة على تفرغه، أو يتم التأذين بالتناوب، كل شخص يؤذن في الوقت الذي يتلاءم مع
عمله، لا سيما وأنتم في بلد من بلدان الغرب، يحتاج المسلمون فيه إلى المحافظة على
شعائر الإسلام الظاهرة، والآذان منها، كما لا يخفى. وفقكم الله لما يحب ويرضاه.
والله
تعالى أعلم.